السيد محمد باقر الصدر

88

أئمة أهل البيت ( ع ) ودورهم في تحصين الرسالة الإسلامية ( تراث الشهيد الصدر ج 20 )

في المسيحيّة فكرةُ الرهبنة ، هذا التركيز كان علاجاً لمرضٍ عاشه شعب بني إسرائيل حينما ظهرت المسيحيّة في ذلك الوقت . هذا المرض ، هذا الانغماس المطلق في الدنيا وفي علائق الدنيا ، هذه الحالة النفسيّة التي كانت تجعل الإنسان اليهودي مشدوداً إلى درهمه وديناره ويومه وغده . . . هذه الحالة كانت بحاجةٍ إلى وصفةٍ تحاول أن تنتشل هذا الإنسان اليهودي من ضرورات يومه وغده ، وتذكّره بأمسه وربّه . ولهذا كان في هذه المسيحيّة هذا النوعُ من الإفراط المناسب مع حالةٍ موضعيّةٍ زمانيّة معيّنة في التاريخ الطويل للإنسان . أمّا هذا النوع من الإفراط حينما يؤخذ كخطٍّ عامٍّ للإنسان ، يعتبر شذوذاً وانحرافاً ؛ لأنّه دواءٌ للمريض ، وليس طعاماً للصحيح . فمن هذه الأسباب التي تجعل التغيير في النبوّة أمراً معقولًا هو : أنّ النبوّة تستنفد أغراضها وتستوفي أهدافها ؛ باعتبارها رسالةً صمّمت لعلاج حالةٍ طارئةٍ ، وقد استُنفِدَت أغراض العلاج . السبب الثاني : انقطاع تراث النبوّة : من جملة الأسباب المعقولة لتغيير النبوّة : هو أن لا يبقى منها تراثٌ يمكن أن يقام على أساسه العملُ والبناء . إذا افترضنا أنّ نبوّةً جاءت ومارست دورها في قيادة البشريّة وهدايتها ووصلها بربّها وتطهيرها من شوائبها ، إلّا أنّ هذه النبوّة بعد أن مات شخص النبي تولّدت ظروفُ انحرافٍ أكلت كلَّ ذلك التراث الروحي والمفاهيمي الذي خلّفه ذلك النبي الذي قاد تلك المعركة ، بقيت النبوّة مجرّد مسألةٍ تاريخيّة وشعارٍ غامضٍ غائمٍ باهت ، دون أن يكون معبّراً عن أيّ كيانٍ فكريٍّ مفاهيميٍّ محدّدٍ في أذهان القاعدة الشعبيّة المرتبطة بتلك النبوّة .